
ورقة رؤى من أظلال · التقبّل المجتمعي للعمل في المجالات الإبداعية
يحظى بالاحترام، لكن الثقة به كمهنة ما زالت محدودة.
الاحترام يتزايد والتشجيع حاضر. لكن حين يتعلق الأمر ببناء مستقبلٍ مهني، لا تزال الثقة مترددة.
ورقة رؤى من أظلال، مستمدّة من أبحاث التعلّم والتطوير (2025–2026) في الاقتصاد الإبداعي بالمملكة العربية السعودية.
الرياض · 2026 · قراءة في 9 دقائق
شريحة من الممارسين للإبداع في مدينة الرياض، 2025–2026
عندما يصف العاملون في الاقتصاد الإبداعي الناشئ في المملكة العربية السعودية كيف ينظر المجتمع إلى عملهم، تتكرر الصورة نفسها. فالمجالات الإبداعية تحظى باحترامٍ متزايد، وتلقى تشجيعًا داخل الأسرة، لكنها لا تزال، بالنسبة إلى كثيرين ممن يعملون فيها، لا تُنظر إليها باعتبارها مسارًا مهنيًا يمكن الاعتماد عليه.
ورغم أن هذه المفارقة لا تُطرح غالبًا بشكل مباشر، فإنها تتكرر بوضوح في أبحاث التعلّم والتطوير التي أجرتها أظلال خلال أواخر عام 2025 وبداية عام 2026. وتشير نتائج الدراسة إلى أن العمل في المجالات الإبداعية اكتسب قدرًا أكبر من التقدير المجتمعي، لكنه لم يترسخ بعد بوصفه خيارًا مهنيًا موثوقًا. وهذه الفجوة تؤثر فيمن يختار التفرغ للعمل الإبداعي، ومن يبقيه نشاطًا جانبيًا، ومن لا يزال مترددًا في اتخاذ قراره.
نطلق على الشخص الذي يقف في هذه المساحة اسم «المبدع المشروط». لكن هذا الشرط لا يكمن في الشخص نفسه، بل في البيئة المحيطة به. فهو يشارك ويمارس عمله الإبداعي بالفعل، إلا أن مشاركته تظل مؤقتة وقابلة للتغيير، ليس بسبب نقص في الالتزام أو تردد شخصي، وإنما لأن المسار الذي يسير فيه لم يصبح بعد واضحًا أو مستقرًا بما يكفي.


تضم عينة الدراسة مزيجًا من المهنيين في مراحلهم المهنية المتوسطة، إلى جانب الطلاب والخريجين الجدد، فيما يشكّل العاملون في القطاع الخاص والطلاب معًا نحو ثلثي المشاركين في الدراسة (S4–9). كما أن العينة مختارة ذاتيًا، وتضم مشاركين يتمتعون بدرجة عالية من التفاعل والارتباط بالمجالات الإبداعية، وهو ما كان مقصودًا في تصميم الدراسة. ويُعد ذلك نقطة قوة من حيث عمق الرؤى التي تقدمها، وفي الوقت نفسه أحد حدود الدراسة التي نُفصح عنها بوضوح.
وعليه، فإن ما تعرضه هذه الورقة يمثل قراءةً لمجموعة محددة من المشاركين، ولا يُقصد به تعميم النتائج على جميع الشباب أو جميع العاملين في المجالات الإبداعية في المملكة العربية السعودية. كما أن الأرقام الواردة فيها مستمدة مباشرةً من بيانات هذه الدراسة، ولم تُبنَ على نماذج إحصائية أو تقديرات استقرائية.

عمل يحظى بالتقدير
تكشف البيانات بوضوح أن الأساس المرتبط بالمكانة الاجتماعية للمجالات الإبداعية أصبح قائمًا بالفعل لدى هذه الفئة.
فعند سؤال المشاركين عن مدى اعتبارهم العمل في المجالات الإبداعية مسارًا مهنيًا يحظى بالاحترام، جاءت الإجابات إيجابية بوضوح، بمتوسط 3.86 من أصل خمس درجات. كما أبدى ما يقارب سبعة من كل عشرة مشاركين موافقتهم على ذلك، بينما اتخذ نحو خُمس المشاركين موقفًا محايدًا، ولم تتجاوز نسبة غير الموافقين واحدًا من كل عشرة (الشكل 16، S22).
وتعكس البيئة المحيطة النتيجة نفسها. فقد سجّل مستوى تشجيع الأسرة على خوض مسار مهني في المجالات الإبداعية متوسطًا أعلى بلغ 3.92، حيث وصف نحو سبعة من كل عشرة مشاركين أسرهم بأنها مشجعة لهذا التوجه، فيما كانت مواقف عدم التشجيع محدودة ونادرة.

وعند قراءة هذه النتائج إلى جانب أبحاث أظلال السابقة حول قطاع التصميم خلال الفترة 2017–2019، يتضح أن المؤشرين يسيران في اتجاه إيجابي. ومع ذلك، فإن الدراستين اعتمدتا على عينات وأدوات بحثية مختلفة، لذا فإن هذه المقارنة تُظهر اتجاهًا عامًا ولا تمثل قياسًا مباشرًا لحجم التغير.
وتطرح هذه النتائج تساؤلًا حول إحدى الفرضيات التي كثيرًا ما تُقدَّم بوصفها العائق الرئيس أمام القطاع، وهي أن عدم تقبّل المجتمع ومقاومة الأسرة يمثلان العقبة الأكبر أمام العمل في المجالات الإبداعية. ففي حدود هذه العينة، لا تدعم النتائج هذا التصور.
ولا يعني ذلك أن مقاومة الأسرة قد اختفت في مختلف المناطق أو بين جميع الأجيال، أو عبر الفئات الاجتماعية والاقتصادية، أو في جميع المجالات الإبداعية؛ فالدراسة لا تدّعي ذلك ولا تسمح بياناتها بتعميم كهذا. لكنها تشير إلى أن فئة الممارسين المنخرطين في المجالات الإبداعية في مدينة الرياض تنطلق بالفعل من مستوى جيد من التقبّل المجتمعي، وأن التحدي الذي يواجه القطاع يبدو في مكان آخر.
القسم 02
لكنها لم تكتسب بعد الثقة كمصدرٍ للرزق
تتضح الإشكالية بمجرد انتقال السؤال من مدى احترام العمل في المجالات الإبداعية إلى مدى الاعتماد عليه كمصدرٍ للرزق. فعندما سُئل المشاركون عمّا إذا كان يُنظر إلى العمل الإبداعي بوصفه مسارًا مهنيًا أم هواية، لم تعد الإجابات تعكس ذلك الاتفاق الذي ظهر في الأسئلة السابقة.
فقد مال عدد أكبر من المشاركين إلى اعتباره هواية أكثر من كونه مسارًا مهنيًا، في حين ظل جزء كبير منهم على الحياد. أما الذين رأوا فيه بوضوح مسارًا مهنيًا، فلم يتجاوزوا ربع المشاركين بقليل.
وبالنسبة للمشاركين في هذه الدراسة، لا يُعد هذا الفرق مجرد تمييز نظري، بل يعكس الفارق بين تلقي التشجيع على ممارسة العمل الإبداعي وبين الثقة في قدرته على توفير مصدر رزق يمكن الاعتماد عليه.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الدراسة تقيس التصورات، لا الواقع الاقتصادي. فهي توضح كيف ينظر المشاركون إلى مكانة العمل في المجالات الإبداعية، لكنها لا تجيب بعد عن أسئلة مثل: هل يحقق العاملون فيه دخلًا مستقرًا؟ وهل تتوفر لهم فرص عمل منتظمة؟ وهل يمكنهم الاستمرار في الاعتماد عليه على المدى الطويل؟
وبالتالي، فإن الفجوة التي تتناولها هذه الورقة هي فجوة في الثقة بقدرة العمل الإبداعي على أن يكون مصدرًا مستدامًا للرزق. وهي فجوة تؤثر بصورة مباشرة في قرارات الأفراد بشأن دخول هذا المجال والاستمرار فيه، لكنها لا تمثل في حد ذاتها قياسًا للجدوى الاقتصادية للمجالات الإبداعية.

القسم 03
الموافقة المشروطة
ما يجعل هذه النتائج تتجاوز مجرد تشخيصٍ للواقع هو ما تكشفه من إمكانات كامنة للتغيير. فقد سُئل المشاركون عن مدى احتمالية اختيارهم العمل في المجالات الإبداعية بدوام كامل إذا كان يُنظر إليه باعتباره مسارًا مهنيًا مستقرًا ويحظى بالتقدير. وجاءت إجابات غالبية المشاركين بأنها ستفكر في اتخاذ هذا الخيار.

تشير النتائج إلى أن الإحساس بالاستقرار والتقبّل المجتمعي يؤثران معًا في استعداد الأفراد للالتزام بالعمل في المجالات الإبداعية بدوام كامل. إلا أن السؤال جمع بين هذين العاملين في الوقت نفسه، لذلك لا يمكن الجزم بأيّهما كان أكثر تأثيرًا في تشكيل هذا الاستعداد، وهو ما يجعل الفصل بين أثر كل عامل على حدة أحد المحاور الرئيسة التي ينبغي أن تتناولها المرحلة المقبلة من البحث.
ويتضح هذا النمط أيضًا عند النظر إلى العلاقة بين المؤشرات المختلفة. فالمشاركون الذين ينظرون إلى العمل في المجالات الإبداعية بوصفه مسارًا مهنيًا هم الأكثر احتمالًا للعمل فيه بدوام كامل، كما أنهم أكثر ميلًا لتعريف أنفسهم باعتبارهم جزءًا من الاقتصاد الإبداعي. وبالمثل، ارتبط ارتفاع مستوى تشجيع الأسرة وارتفاع مستوى التقدير المجتمعي بزيادة احتمالية اختيار هذا المسار (S26). وتشير هذه النتائج إلى أن التصورات والسلوك المهني يسيران في الاتجاه نفسه.
ومن المهم الإشارة إلى أن المقصود هنا هو الالتزام بالعمل الإبداعي بدوام كامل، ولذلك ينبغي تفسير النتائج ضمن هذا الإطار. ومع ذلك، فإن كثيرًا من المسارات المهنية في المجالات الإبداعية لا تقوم بالضرورة على التوظيف بدوام كامل، بل تتخذ أشكالًا متعددة، مثل العمل الحر، أو ريادة الأعمال، أو المشاريع المستقلة، أو الجمع بين أكثر من نشاط مهني. ومن ثم، فإن تفضيل نموذج مهني مستقل أو هجين لا يعني بالضرورة أن صاحبه ينتظر الانتقال إلى وظيفة بدوام كامل، بل قد يعكس اختيارًا واعيًا لطريقة مختلفة في ممارسة العمل الإبداعي. ومن هذا المنطلق، سيكون من المهم أن تميّز الأبحاث المستقبلية بين التوظيف، والممارسة المستقلة، وريادة الأعمال، والعمل الحر، والمسارات المهنية المتعددة (Portfolio Careers)، والعمل الإبداعي الذي يُمارس بوصفه ممارسة شخصية، بدلًا من افتراض أن العمل بدوام كامل هو الوجهة الطبيعية لكل مسار مهني إبداعي.
القسم 04
الفئة المحايدة المتكررة
تكشف البيانات أيضًا عن فئة ثالثة يسهل تجاهلها، رغم أنها قد تكون الأكثر أهمية لفهم كيفية نمو القطاع وتطوره. فبالنظر إلى مختلف المؤشرات، تظهر شريحة محايدة بشكل متكرر؛ إذ اتخذ نحو خُمس المشاركين موقفًا محايدًا عند سؤالهم عمّا إذا كان العمل في المجالات الإبداعية يحظى بالاحترام، فيما ارتفعت هذه النسبة إلى ما يقارب ثلاثة من كل عشرة عند سؤالهم عن استعدادهم للالتزام بالعمل الإبداعي بدوام كامل حتى في حال توفرت له ظروف مواتية.
وقد تكون هذه الحيادية المتكررة من أهم النتائج التي تستحق التوقف عندها، لكنها في الوقت نفسه تمثل الحد الذي تقف عنده هذه الدراسة. فالإجابة المحايدة قد تعكس حالة من عدم اليقين، وقد تعبّر أيضًا عن تجارب متباينة، أو محدودية في وضوح المسارات المهنية، أو رضا عن ممارسة العمل الإبداعي إلى جانب عمل آخر أو ضمن نموذج مهني هجين، وربما لأن السؤال نفسه لا يعكس الطريقة التي ينظر بها المشارك إلى مساره المهني.
ولا تسمح البيانات الحالية بحسم أي من هذه التفسيرات. ولهذا، ترى أظلال أن فهم هذه الفئة يمثل أحد الأسئلة الرئيسة للمرحلة المقبلة من البحث، وأنها شريحة تستحق أن تُصمَّم حولها دراسات مخصصة، بدلًا من افتراض دوافعها أو استخلاص استنتاجات عنها مسبقًا.
القسم 05
من التصوّر إلى التحوّل
عند النظر إلى نتائج الدراسة مجتمعة، تتضح صورة لقوى عاملة إبداعية تملك الرغبة قبل أن تمتلك اليقين. فكثير من المشاركين يمارسون بالفعل أعمالًا في المجالات الإبداعية، فيما يعبّر عدد أكبر منهم عن نيتهم في جعلها مسارهم المهني الرئيس، وهو ما يشير إلى وجود استعداد كامن للمشاركة قد لا تستوعبه المسارات المتاحة حاليًا بالشكل الكافي (S4). فالتقدير المجتمعي موجود، وتشجيع الأسرة حاضر، كما أن غالبية المشاركين أبدوا استعدادهم للالتزام بالعمل الإبداعي إذا توفرت الظروف المناسبة. وما ينقصهم ليس الرغبة، بل الثقة والاطمئنان.
ويتكرر هذا النمط في مختلف الفئات التي تناولتها الدراسة. فسواء بين العاملين في القطاع الخاص أو المستقلين، يحظى العمل في المجالات الإبداعية عمومًا بالتقدير والدعم، لكنه لا يزال أقل ترسخًا بوصفه مسارًا مهنيًا يمكن الاعتماد عليه (S60).
ويبرز في هذا السياق مفهوم يتكرر باستمرار ويستحق أن يُناقش بوضوح بدلًا من التعامل معه بوصفه أمرًا بديهيًا، وهو الاستقرار. فهذا المفهوم قد يعني دخلًا منتظمًا، أو وظيفة دائمة، أو عقودًا مستقرة، أو انتظامًا في استلام المستحقات، أو الحصول على المزايا الوظيفية، أو سهولة الوصول إلى العملاء، أو وضوح فرص التقدم المهني، أو حماية حقوق الملكية الفكرية، أو القدرة على الاستمرار في العمل من داخل المنطقة التي يعيش فيها الفرد، أو حتى مجرد الثقة بأن الفرص ستظل متاحة بعد خمس سنوات.
وتُظهر الدراسة أن الاستقرار يمثل شرطًا حاسمًا في اتخاذ قرار الالتزام بالعمل الإبداعي، لكنها لا تجيب بعد عن سؤالٍ لا يقل أهمية: ماذا يعني الاستقرار بالنسبة للعاملين في المجالات الإبداعية أنفسهم؟ وسيكون هذا أحد الأسئلة الرئيسة التي ستسعى أظلال إلى استكشافها في مراحلها البحثية المقبلة.
وما تشير إليه النتائج، في المجمل، هو أن السؤال الذي ينبغي للقطاع أن يطرحه على نفسه قد بدأ يتغير

وربما تمنح القطاع نقطة انطلاق أكثر فائدة من الاستمرار في التعامل مع العمل في المجالات الإبداعية باعتباره أمرًا يحتاج إلى تبرير أو دفاع.


ما الذي يحدث بين اللحظة التي يقول فيها شاب أو شابة: «أريد أن أسلك مسارًا مهنيًا في المجالات الإبداعية»، وبين لحظة دخوله هذا المسار، أو تأجيله، أو التخلي عنه؟
كن جزءًا من أبحاث أظلال
إذا كانت هذه النتائج تعكس تجربتك مع العمل في المجالات الإبداعية، أو ترى أن تجربتك تقدم منظورًا مختلفًا، فنود أن نسمع منك.
نشارك هذه النتائج ليس بوصفها خلاصات نهائية، بل باعتبارها قراءةً للواقع الحالي للقطاع، ودعوةً للمساهمة في فهمه بصورة أعمق. فأظلال هي المعهد البحثي المعني بمستقبل الاقتصاد الإبداعي في المملكة العربية السعودية، وما زال هذا البحث مستمرًا.