
هناك حوارات لا تحدث إلا اللقاء المباشر. ليست الحوارات التي نأتي إليها لنعرض ما قررناه مسبقًا، بل تلك التي نفهم من خلالها ما يدور في ذهن الشريك: ما الذي يعمل عليه، وما الذي يشغله، وأين تتجه أسئلته واهتماماته .
لهذا السبب كنا في جدة هذا الأسبوع. توجهتُ مع صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة الفيصل، المؤسس والرئيس التنفيذي لأظلال، للقاء جامعتين تمثلان أهمية خاصة لنا: جامعة الملك عبدالعزيز وجامعة عفت.
تعمل أظلال كمركز بحثي معنيّ بمستقبل الاقتصاد الإبداعي في المملكة العربية السعودية. ومن هذا المنطلق، نعمل على مسارين متصلين: أن نفهم كيف يتشكل هذا الاقتصاد، أين تُصنع القيمة، أين تُبنى القدرات، وأين قد تتراجع أو لا تجد طريقها للاستمرار. وفي الوقت نفسه، ندرك أن الفهم وحده لا يكفي؛ فالمجال يحتاج إلى أشخاص يملكون المهارة والخبرة لدفعه إلى الأمام.
لا يمكن فصل هذين المسارين، ولا يمكن العمل عليهما من بعيد. لذلك، نرى أن اللقاءات المباشرة وما تتيحه من إنصات وحوار ليست خطوة قبل البحث، بل جزء من البحث نفسه.
جامعة الملك عبدالعزيز
ترتبط أظلال مع جامعة الملك عبدالعزيز بمذكرة تفاهم من خلال كلية علوم الإنسان والتصاميم. لكن الحوار لم يتوقف عند هذا الإطار. فقد انضم إليه زملاء من تخصصات وكليات أخرى، ووجدنا أن السؤال المطروح كان حاضرًا لدى كثيرين: لماذا يهم أن نبحث في الاقتصاد الإبداعي؟ وكيف نبني مواهب جديدة قادرة على العمل عبر قطاعاته المختلفة، لا داخل قطاع واحد فقط؟


كان بين الحضور اهتمام واضح. وخلال الأجزاء التفاعلية من النقاش، شاركنا بعض محاور مرصد أظلال، وتحدثنا عن طريقتنا في تحويل فهم القطاع إلى توجهات استراتيجية وسياسات عملية، بدلًا من أن يبقى مجرد رصد أو ملاحظات.
كما تحدثنا عن جانب أقرب إلى الطلاب: كيف يمكن أن يشاركوا في أعمال استشارية حقيقية، وأن يستفيدوا من مبادرات مشتركة تساعدهم على الاستعداد للمسارات المهنية المقبلة.
ما بقي معي من هذا اللقاء لم يكن فكرة واحدة أو مقترحًا محددًا، بل اتساع الحوار نفسه. فالاقتصاد الإبداعي بطبيعته يتقاطع مع تخصصات متعددة، وهذا ما انعكس بوضوح في تنوّع النقاش وتفاعل المشاركين معه.
جامعة عفت
تُعد جامعة عفت شريكنا الجامعي الأقدم، ولذلك فإن أي حوار معها هو، بشكل أو بآخر، حوار عن التحولات التي مرّت بها أظلال أيضًا، فقد أصبح توجهنا اليوم أكثر وضوحًا كمركز بحثي معنيّ بمستقبل الاقتصاد الإبداعي السعودي، وأصبح نطاق عملنا أوسع. فبعد أن كان تركيزنا في السابق منصبًا بشكل أساسي على التصميم، أصبحنا اليوم ننظر إلى القطاعات الإبداعية بشكل أوسع: إلى تخصصاتها، وممارساتها، والعاملين فيها .

أعترف أن لدي شعورًا خاصًا بالفخر تجاه هذه التجربة. فقبل أعوام، وبالتعاون مع أعضاء هيئة التدريس والطالبات في جامعة عفت، ساهمنا في إطلاق شرارة صغيرة؛ كانت بداية لتحول نحو منهجية قائمة على الممارسة والتجربة الميدانية في أبحاث التصميم، تبعتها أعمال استشارية حقيقية شاركت فيها طالبات ناشئات وخريجات من كلية التصميم والعمارة .
ومن خلال العمل مع شركاء من القطاع، من بينهم فنادق شدا وشركة تطوير البلد التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، تحولت تلك الفكرة إلى تجربة ملموسة: طريقة لبناء الخبرة والثقة المهنية من خلال مشاريع حقيقية، لا تجارب افتراضية أو محاكاة. وتظل هذه التجربة واحدة من أوضح الأمثلة لدينا على فاعلية هذا النموذج، حتى على مستوى تطور البرنامج نفسه.
وهذا النوع من التجارب هو ما نأمل أن نحمله معنا إلى شبكة أظلال الجامعية الآخذة في النمو؛ ليس كنموذج جاهز يُفرض على الآخرين، بل كتجربة يمكن للشركاء أن يطوروها بما يناسبهم، حتى تستفيد منها تخصصات وقطاعات أكثر ضمن الاقتصاد الإبداعي.
وأتطلع إلى العمل مع فريق جامعة عفت على تطوير تجارب تعليمية جديدة ذات أثر حقيقي.
ما الذي خرجنا به؟
لم تنتج الزيارتان قائمة من الاستنتاجات النهائية، ولم يكن هذا هو الهدف. بل قدمتا ما هو أكثر فائدة: فهمًا أوضح للمساحات التي يلتقي فيها مسارنا مع مسارهم بصدق، وثقة لا تتشكل إلا حين نجلس معًا ونفكر بصوت مسموع .
هذه الرحلة إلى ساحل البحر الأحمر جزء من مسار أكبر. نريد أن تستمر مثل هذه الحوارات عبر المشهد الأكاديمي في المملكة، مع الشركاء الذين نعمل معهم اليوم، ومع شركاء جدد وناشئين في الرياض والدمام وخارجها. فالاقتصاد الإبداعي يمتد على مستوى وطني، وأي مركز بحثي يتعامل معه بجدية لا يمكن أن ينطلق من مدينة واحدة، أو علاقة واحدة. جدة هنا ليست محطة نهائية، بل خطوة ضمن تواصل أوسع مع القطاع الأكاديمي السعودي.
يبقى البحث وبناء القدرات أكثر صدقًا حين يظلان متصلين بالأشخاص الذين يشكّلون المجال. جامعة عفت وجامعة الملك عبدالعزيز ليستا جمهورًا لهذا العمل، بل شريكتان في صياغته، كما نأمل أن يكون شركاؤنا في مختلف مناطق المملكة .
نقدّر الوقت، وروح الحوار، والطاقة التي حملتها هذه اللقاءات. وسنواصل بناء هذا العمل بالطريقة التي نؤمن بها: بتأنٍ، وبشكل صحيح، ومع شركائنا لا بالنيابة عنهم .
جيرون، مايو 2026