تلهمنا بعض المدن بما تكشفه لنا، أما ميلانو فألهمتني بأن علّمتني كيف أنظر.
غيرت الحياة هنا فهمي للإبداع. فامتلاك نظرة إبداعية لا يقتصر على القدرة على ابتكار شيء جميل، بل يتطلب فضولاً يدفعنا إلى ملاحظة ما قد نغفل عنه، والتأمل في الأسباب التي تجعل الأشياء تترك فينا أثراً معيناً، والعثور على المعنى في تفاصيل الحياة اليومية.
الإلهام موجود في كل مكان، لكنه نادراً ما يكون واضحاً أو مباشراً. أجده وأنا أسير في الشوارع، في العمارة، وفي أسلوب الناس في اختيار ملابسهم، أو حتى في تفاعلهم مع بعضهم. ربما كنت في السابق أمر بهذه التفاصيل دون أن أتوقف عندها كثيراً، لكنها اليوم أصبحت جزءًا مما يشكل رؤيتي ويغذي أفكاري.
ثمة ما يلهم في رؤية تاريخ طويل لا يزال حاضراً في مدينة تتطور باستمرار. علمتني ميلانو أن الإبداع لا يعني دائماً ابتكار شيء جديد بالكامل؛ ففي بعض الأحيان، يكمن في إعادة النظر إلى ما هو موجود بالفعل، وفهمه من زاوية جديدة أو تقديم قراءة مختلفة له.
وقد تكون المدينة فوضوية أيضاً؛ سريعة الإيقاع، مزدحمة، ودائمة الحركة. لكنني تعلمت أن أقدّر البساطة، وأن أجد الهدوء وسط هذا الصخب. فمصادر الإلهام لا تقتصر على الاستوديوهات أو المعارض أو عروض الأزياء؛ أحيانًا نجدها في شرفة قديمة، أو حديث عابر مع شخص غريب، أو تفصيل صغير ننتبه إليه في طريق عودتنا إلى المنزل.
وكانت رحلتي مع أظلال جزءًا مهماً من تعلمي كيف أرى نفسي ومكاني داخل هذا العالم الإبداعي. منحتني الثقة لأخوض تجارب جديدة، وأعمل مع أشخاص من خلفيات متنوعة، وأكتشف الاتجاه الذي أريد أن أسلكه في مسيرتي المهنية. وتعلمت أنه نادراً ما توجد طريقة واحدة صحيحة للتعامل مع فكرة إبداعية، وأن تعدد وجهات النظر قد يغير رؤيتنا للأشياء بالكامل.
أما العيش هنا بمفردي، وفي البداية دون معرفة اللغة، فقد علمني الاستقلالية والقدرة على التكيّف. وجودي في بيئة غير مألوفة دفعني إلى أن أثق بنفسي أكثر، وأن أصبح أكثر تقبلاً لعدم اليقين. جعلتني ميلانو أكثر فضولاً وانفتاحاً، وأكثر استعداداً لرؤية الأمور من زوايا متعددة. وأصبحت أكثر جرأة على التجربة وتغيير المسار دون الانشغال بما إذا كان ذلك صواباً أم خطأ، وعلى خوض الأفكار دون الحاجة إلى معرفة وجهتها منذ البداية.
النظرة الإبداعية لا تكتمل عند نقطة محددة، بل تستمر في التطور مع الأماكن التي نعيش فيها، والأشخاص الذين نلتقي بهم، والتجارب التي تتراكم على امتداد الطريق. فكل بيئة جديدة تضيف إلينا شيئًا، وقد لا ندرك أثره إلا لاحقاً. وميلانو جزء من هذه الرحلة المستمرة؛ تجربة أفسحت لي مساحة أكبر للفضول والانفتاح والاكتشاف. ومع استمرار ما حولنا في التغير، تتطور بدورها رؤيتنا، وأفكارنا، ومصادر إلهامنا.
— يارا حسوبة
سجّل الدخول للمشاركة في المحادثة. تسجيل الدخول
Happy to read that Adhlal contributed to your creative confidence. What next career oriented question do you have today now after completed your studies and having started in the industry? What's next to discover?
٨ أكتوبر ٢٠٢٦