بدأت رحلتي مع أظلال قبل بداية تدريبي بعدة أشهر، عندما سنحت لي فرصة مرافقة مرشدتي صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة الفيصل والتعلم من متابعة عملها عن قرب في أدوارها كالمدير التنفيذي لفنون التراث وكمؤسسة ومدير التنفيذي لشركة أظلال وكعضو مجلس جمعية التصميم الصناعي وجمعية مجتمع الشباب السعوديون. وقد علّمتني مشاهدتها وهي تعمل مع فرق مختلفة وتربط المشاريع الفردية برؤية أوسع ما كان لي أن أتعلّمها في قاعة دراسية. وبفضل إرشادها، بدأت أفهم قيمة بناء علاقات مهنية أصيلة، ومدى اعتماد العمل ذا المعنى على الروابط والثقة التي تحيط به.
من خلال تلك التجربة، تطورت رؤيتي لمعنى القيادة، بدت القيادة أقل ارتباطًا بالسلطة أو المسمّى الوظيفي، وأكثر ارتباطًا بالقدرة على تطوير الأفراد والمؤسسات والأفكار. كما دفعتني هذه التجربة، عندما عدت إلى أظلال خلال فترة الصيف، إلى أن أتطلع إلى تجاوز دور المراقب ولو قليلًا، والمساهمة في كل جانب يمكنني أن أكون فيه مفيدًا.
بدأت تجربتي دون مهام محددة مسبقًا، بل كان طموحي بشكل أكثر تواضعًا، أن أواصل تطوير تفكيري النقدي والإبداعي والابتكاري من خلال كل مهمة أو فرصة عمل أُتيحت لي.
تعرّفت على ثلاثة مسارات عمل رئيسية: تجربة المحتوى الرقمي في أظلال، والبحث المرتبط بمبادرة شبابية، وتطوير مشروع ناشئ يتمحور حول التفكير المستقبلي. كانت المسارات الثلاثة لا تزال في طور التشكّل، لذلك كنت أضطر غالبًا إلى المساهمة قبل أن تتضح أمامي الصورة الكاملة. احتجت إلى بعض الوقت للتكيّف مع هذا القدر من عدم الوضوح، لكنني اكتشفت أن هذه المرحلة كانت أكثر ما تعلّمت منه
كان أول مشروع فعلي لي هو دعم قسم التواصل في تحسين قسم الرؤى في موقع أظلال. ما بدأ كعملية لتحسين التصميم، تطوّر إلى سؤال أوسع: كيف يكتشفون زوار الموقع المحتوى ويفهمونه؟ وكيف يمكن للمنصة أن تحافظ على تنظيمها مع توسّعها؟
ساهمت بأفكاري حول سهولة التنقّل داخل الموقع، وتصنيف المحتوى، والبنية البصرية، وجودة التحرير. ولم أركّز فقط على مظهر الموقع، بل حاولت أيضًا التفكير في مدى قدرته على الحفاظ على كفاءته وتنظيمه مع تطوره ونموّه. كما أفاد هذا العمل في رسم مسار النشر من الفكرة الأولى وصولاً إلى الكتابة، والمراجعة، والترجمة، والموافقة. وساعدني ذلك في تقدير شيءٍ لم أقدّره كلياً قبل ذلك: مقالٌ واحد لا يبني منصة، ولكن عملية تطوير واضحة وقابلة للتكرار تساهم في بنائها.
وعلى مدار التدريب، برز سؤال أوسع سعدت بالتفكير به مع الفريق: كيف يمكن لأظلال الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد صوتها وهويتها؟ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم البحث ويرفع كفاءة العمل، لكنه قد يضعف أيضًا أصالة المحتوى، وهي مسألة بالغة الأهمية لمنصة تقوم على الرؤى والتجارب الشخصية. حاولت أن أوضح أن الأصالة ليست مجرد جانب يتعلق بأسلوب المحتوى، بل عنصر استراتيجي أساسي، لأنها ترتبط بشكل مباشر بثقة الجمهور والهوية التحريرية للمنصة.
في منتصف الصيف، وبعد مشاورتي مع الفريق، قررت تقليص مشاركتي في أبحاث المبادرة الشبابية، لأخصص وقتًا أكبر للعمل على الموقع الإلكتروني وتطوير المنتج الرقمي. ورغم أهمية المشروع وقيمته، شعرت أنني أستطيع تقديم مساهمة أكبر في مجالات أخرى.
كانت التجربة درسًا مهمًا على أن الموافقة على كل شيء قد تبدو كأنها إنتاجية، لكنها لا تعني أنني سأتركُ أثرًا حقيقيًا. كان من أهم الدروس التي تعلّمتها خلال الصيف أن أحدد أين يمكنني تقديم مساهمة حقيقية، وأن أكون صادقًا مع نفسي في تقييم ذلك.
كان هذا الجانب من تجربتي الصيفية أكثر ما شعرت بالشكر تجاهه. فقد أتاح لي فرصة العمل مجددًا مع جيروين فروماو، الذي سبق أن تعاونت معه خلال العام الدراسي على تطوير مفهوم لمرشد مهني مدعوم بالذكاء الاصطناعي. وقد علّمتني طريقته في تحويل الأفكار غير الواضحة إلى فرص أكثر تحديدًا، وحرصه على أن أشرح المنطق الكامن وراء كل قرار، كيف أتعامل مع هذا المشروع والمشاريع المستقبلية.
يعتمد نجاح أي منتج رقمي على استعداد الناس للمشاركة والتفاعل معه. لذلك، ساهمت في المراحل الأولى من إعداد شخصيات المستخدمين ورسم مسارات تجاربهم. وحرصت على أن تعكس هذه النماذج دوافعهم واحتياجاتهم ومخاوفهم الواقعية، إلى جانب العقبات التي قد تمنعهم من المشاركة، مثل عدم وضوح الفائدة أو ضعف الثقة. وقد أكدت لي هذه التجربة أن التصميم يصبح أكثر فاعلية عندما يستند إلى فهم حقيقي لسلوك الناس، بدلًا من الاعتماد على افتراضات حول الطريقة التي نتوقع أن يتصرفوا بها.
كان هناك سؤال أساسي يعود باستمرار: لا يقتصر الأمر على ما يمكن للمستخدمين القيام به، بل يمتد إلى ما قد يدفعهم إلى المشاركة من الأساس. فالتقدير، والتعلّم، والظهور، والشعور بالانتماء لا تحقق أثرها إلا عندما يشعر المستخدمون بأنها ذات قيمة حقيقية بالنسبة لهم. وقد ساعدني التفكير في هذا السؤال على تجاوز التركيز على الأنشطة نفسها، والاهتمام بصورة أعمق بالدوافع والاحتياجات التي تحرّك سلوك المستخدمين.
درست عددًا من المنصات العالمية القائمة على رصد التوجهات والإشارات والابتكار، مع الحرص على أن تكون هذه العملية وسيلة للتعلّم، لا للمحاكاة. ونظرت في كيفية استقطاب تلك المنصات للمساهمين، وتنظيمها للمعلومات، وتشجيعها على المشاركة. ثم تساءلت عن الدروس التي يمكن تطبيقها بصورة واقعية ومناسبة في هذا السياق.
لا تُفهم مفاهيم مثل الثقة والتقدير والانتماء بالطريقة نفسها في جميع البيئات. فقد يرى بعض المستخدمين في التقدير العلني حافزًا مهمًا، بينما قد يفضّل الآخرون أن يكون تقديرهم أكثر خصوصية. كما أن الجهة التي تمنح هذا التقدير قد تؤثر في قيمته ومصداقيته بشكل يوازي أهمية التقدير نفسه. لذلك، كنت أتعامل مع النماذج الدولية بوصفها مصادر للتعلّم، وأدرس مدى ملاءمتها للسياق المحلي قبل التفكير في تطبيقها.
في البداية، لم أكن مقتنعًا تمامًا بفكرة المنتج الرقمي لأظلال. ففي المراحل الأولى، وجدت أن منطق شخصيات المستخدمين ورحلاتهم كان أكثر إقناعًا بالنسبة لي من الفكرة نفسها. إلا أن البحث والمقارنة المرجعية والنقاشات الصريحة مع الفريق ساعدتني تدريجيًا على فهم الفكرة والاقتناع بها. ومن أهم الدروس التي سأحملها معي أن الثقة التي تُبنى من خلال الفحص والتساؤل تكون غالبًا أكثر رسوخًا من الثقة التي تتكوّن بسهولة.
عندما زار المدير التنفيذي لشركة كنز، روي بلدي، المكتب وتحدث عن هاكاثون كنز للتدريب على الذكاء الاصطناعي، الهادف إلى تحقيق رقم قياسي عالمي في موسوعة غينيس بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية، شجعتني صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة الفيصل على المشاركة حيث لم تكن هذه الخطوة جزءًا من خطة مسبقة، بل فرصة شعرت بأنني لا أريد تفويتها. وقد أكدت لي هذه التجربة أن التطور لا يأتي دائمًا من المهام والمشاريع المحددة مسبقًا؛ ففي بعض الأحيان، يبدأ من حديث عابر ومن الاستعداد لخوض تجربة جديدة.
لم تكن بعض أهم الدروس التي تعلّمتها خلال الصيف مرتبطة بمشروع محدد. فقد تعلّمت كيف أتلقى الملاحظات دون أن أتعامل معها بصورة دفاعية، وأن أنظر إلى النقد بوصفه وسيلة لتحسين العمل، وليس أمرًا شخصيًا. وقد احتاج ذلك إلى الممارسة، وما زلت أعمل على تطوير هذه المهارة.
كما قضيت جزءًا كبيرًا من الصيف في الملاحظة والانتباه إلى كيفية تواصل الفريق، وطريقة اتخاذ القرارات، وما كان متوقعًا مني حتى عندما لا يتم توضيحه بشكل مباشر. وشعرت أن فهم ثقافة العمل غير المكتوبة، وتطوير الانضباط والاستمرارية اللذين تتطلبهما، كانا نوعًا مستقلًا من التعلّم إلى جانب المشروعات نفسها.
أصبحت الآن أنظر إلى الأفكار بطريقة مختلفة. فلم أعد أسأل فقط عما إذا كانت الفكرة إبداعية أو طموحة، بل أسأل أيضًا عما إذا كانت تحل مشكلة حقيقية لأشخاص فعليين، وضمن السياق المناسب. لقد نقلتني هذه التجربة الصيفية من مرحلة التوجيه والملاحظة إلى مرحلة التعاون، ثم تدريجيًا إلى القدرة على تقديم مساهمتي الخاصة.
لا يزال أمامي الكثير لأتعلمه، وأنا ممتن بعمق لكل من وجّهني بالصبر والثقة والكرم طوال هذه الرحلة. ويعكس جزء كبير من التقدم الذي أحرزته الفرص التي منحوني إياها، والثقة التي وضعوها فيّ. بدأت هذه الرحلة بمراقبة كيفية تشكيل العمل الهادف وتحديد القيمة التي يمكنني إضافتها. ولم أعد أرى نفسي مجرد متابع لما يصنعه الآخرون، بل أصبحت أكثر استعدادًا للمشاركة بوعي ومسؤولية في تشكيل هذا العمل والمساهمة في تطويره.